الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
349
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فإن قلت : إن نوحا كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان ، فإنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه ، وقد كان مرسلا إليه ، وقد جاء في حديث جابر وغيره « وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود » « 1 » وفي رواية « إلى الناس كافة » . أجاب الحافظ ابن حجر ، - رحمه اللّه تعالى - : بأن هذا العموم الذي حصل لنوح - عليه السّلام - لم يكن في أصل بعثته ، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع ، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس . وأما نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك . وأما قول أهل الموقف لنوح - كما صح في حديث الشفاعة - : إنه أول رسول إلى أهل الأرض ، فليس المراد به عموم بعثته ، بل إثبات أولية إرساله ، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم . واستدل بعضهم لعموم بعثته : بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ، ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا ، لقوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 2 » ، وقد ثبت أنه أول الرسل . وأجيب : بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح ، وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم . فأجيب : وهذا جواب حسن ، لكن لم ينقل أنه نبئ في زمن نوح غيره . ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - في ذلك بقاء شريعته . انتهى . وأما قول بعض اليهود : أن نبينا محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - إنما هو مبعوث إلى العرب خاصة ، ففاسد . والدليل عليه أنهم - أي اليهود - سلموا أنه رسول صادق إلى العرب ، فوجب أن يكون كل ما يقوله حقّا ، وقد ثبت بالتواتر أنه
--> ( 1 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 335 ) في التيمم ، باب : وقول اللّه تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً . . . . ومسلم ( 521 ) في المساجد ، باب : رقم ( 1 ) . ( 2 ) سورة الإسراء : 15 .